العراق: الحياة تحت سماء سوداء
يرى مراقبون أن الحروب والنزاعات المسلحة في العراق على مدى أربعين سنة، تسببت بمقتل وإصابة الملايين وطالت آثارها الأرض والماء والهواء، كما أدى تدمير مصادر النفط والثروات الطبيعية، إلى انتشار التلوث في كل مكان.
وذكر تقرير لصحيفة "الحياة" نشر اليوم الخميس ( 4 كانون الثاني 2018)، ان "الحروب المتتالية في العراق أنهكت النظام الصحي في البلاد وألحقت الضرر بالبنى التحتية الأساسية، وأضعفت الإدارة البيئية والرقابة على المنشآت والفعاليات الصناعية"، مشيرا إلى ان الخطط التي وضعت بعد سنة 2003 لمعالجة هذه المشكلات لم تنجح في تحقيق أهدافها، لقلة الموارد وفقدان الأمن وتفشي الفساد.
وأضاف التقرير ان ذلك أدى لجعل القضايا البيئية الشائكة، مثل المخلفات السامة والمشعة والتلوث النفطي وفقدان الأراضي الزراعية، تتراجع على سلم الأولويات وتبقى في أغلبها مهملة، حيث حدد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2005 ستين منطقة ساخنة تتطلب الإصلاح وإعادة التأهيل، من بينها خمس مناطق توجِب المعالجة الفورية، كما قدرت تكاليف التدهور البيئي عام 2008 بنحو 8,7 بليون دولار وفقا لأرقام رسمية.
وأشار إلى انه وفي السنوات العشر الماضية، كان لتكرار مواسم الجفاف مع انخفاض تدفق المياه في دجلة والفرات، إلى جانب سوء إدارة الموارد المائية والتوسع الحضري غير المدروس، الأثر الكبير في تملح الأراضي الزراعية وانتشار التصحر ومحدودية مياه الشرب.
وإلى جانب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية العميقة، كان للمشكلات البيئية دور فاعل في تحضير الظروف الموائمة لتطوّر صراع جديد خلال السنوات العشر الأخيرة، تصدر مشهده تنظيم داعش.
وأصدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة "يونيب" في وقت سابق، تقريرا حول القضايا البيئية في المناطق التي تمت استعادتها من داعش، لا سيما مدينة الموصل مركز محافظة نينوى، حيث أجرى فريق من شعبة ما بعد النزاعات في "يونيب" مسحا ميدانيا ركز على التلوث الناتج عن إشعال النيران في آبار النفط في ناحية القيّارة، وإحراق معمل كبريت المشراق جنوب مدينة الموصل، إضافة إلى تسرب المركبات العضوية الثابتة المستخدمة كعوازل ومواد تبريد في منشآت الطاقة الكهربائية، كما عرض التقرير للتحديات البيئية التي تفرضها كميات الأنقاض والنفايات الهائلة، بما فيها الأسبستوس الذي لوحظ في أكثر من موقع.
وسجل تقرير المنظمة الأممية أيضاً انهيار الإدارة البيئية من الناحية البشرية، وكذلك التخريب الذي طاول المنشآت والمختبرات التابعة لمديرية البيئة في محافظة نينوى وكلية العلوم البيئية في جامعة الموصل، كما أشار إلى الانعكاسات الخطيرة لقيام تنظيم داعش باستخدام المنشآت المائية كسلاح في الحرب وإغراقه الأراضي بمياه بحيرات السدود، التي تسببت في تدهور الأراضي الزراعية وخلق إشكاليات اجتماعية واقتصادية طويلة الأمد.
من جهتها قامت منظمة "باكس" الهولندية بنشر تقرير تحت عنوان " الحياة تحت سماء سوداء"، مثل إيجازاً للمعطيات التي جمعتها المنظمة في السنوات الثلاث الماضية، وهي تشمل كل الأراضي العراقية بما فيها مدينة الموصل وجوارها، ويمكن إيجاز القضايا البيئية التي تناولها التقريران السابقان في ثلاثة محاور: التلوث النفطي، أضرار المنشآت المدنية، الآثار الجانبية.
وفيما يتعلق بالتلوث النفطي، فقد كانت المصافي النفطية الحكومية بؤراً للتلوث لعدم كفاية إجراءات الإدارة البيئية والصحية، وتسبب الصراع الحالي في مضاعفة هذه المشكلات، نتيجة التعديات التي قامت بها الميليشيات والمجموعات المحلية على المنشآت النفطية من مصافٍ وخزانات وأنابيب وحقول، إلى جانب الضربات الجوية التي طالت مئات من صهاريج نقل النفط.
كما مارس تنظيم داعش في مواجهة تقدم القوات الحكومية سياسة الأرض المحروقة والسماء السوداء، من خلال إشعال النيران في الآبار النفطية لتغطية تحركات قواته وإلحاق الضرر بالموارد الاقتصادية لخصومه، وأدى هذا إلى تسربات نفطية واسعة وانتشار السحب الدخانية إلى مسافات بعيدة.
وكانت أبرز حوادث التلوث النفطي هي التي شهدتها ناحية القيارة جنوب الموصل، عندما جرى إحراق عشرين بئرا في حقل القيّارة النفطي حيث ابتدأت أولى الحرائق في أيار 2016 ولم تخمد جميع النيران إلا مع نهاية آذار 2017، وقدرت كمية النفط التي احترقت بحدود 1,4 إلى 2 مليون برميل وفقا لمصادر حكومية، أما في جبل حمرين شرق مدينة تكريت، فيستمر منذ نحو ثلاث سنوات وحتى الآن احتراق العديد من الآبار ضمن حقلي "عجيل وعلاس".
كما تعرضت مصفاة بيجي إلى تفجيرات وحرائق ضخمة في خزانات النفط والبنى التحتية الأساسية، وتسببت بإحراق نحو 20 ألف متر مكعب من النفط، وألحقت ضررا كبيرا يصعب إصلاحه، وطالت الهجمات البنى التحتية للقطاع النفطي في محافظة كركوك، بما فيها رؤوس الآبار ومضخات النفط ومعامل الغاز والمصافي وأنابيب نقل النفط والغاز.
وكانت الحرائق النفطية، مع ما تتسبب به من إطلاق لمواد خطيرة مثل أكاسيد الكبريت والنيتروجين والمركبات العضوية الثابتة والمعادن الثقيلة التي تلحق أضراراً بالبيئة والصحة العامة، من أبرز مظاهر تلوث البيئة العراقية خلال مراحل الصراعات الأخيرة في البلاد.
وإلى جانب التسربات النفطية الواسعة التي حصلت في حقل القيارة وجبل حمرين ومناطق عدة في كركوك، بما في ذلك ضخ النفط الخام إلى نهر دجلة وأقنية الري والأراضي الزراعية، تعرض الخط الرئيسي لتصدير النفط العراقي إلى تركيا لتفجيرات متكررة، حيث تسبب تفجير أنبوب قريب من نهر دجلة في تسرّب بقعة نفطية وصل طولها إلى 70 كيلومتراً في عام 2014 ومن أجل تخفيف التلوث في النهر، تم إشعال هذه البقعة، فتشكلت سحب سوداء وضباب كثيف، واضطر العديد من المدن، بما فيها بغداد، إلى وقف التزود بالمياه إلى ما بعد عبور هذه البقعة.
وأضاف التقرير ان تلوث الهواء الناجم عن أنقاض البناء في مناطق الحروب لا يقتصر على الجسيمات الدقيقة للإسمنت والرمل، بل يشمل أيضاً المركبات السامة كالأسبستوس المستخدم في مواد البناء والمعادن الثقيلة الموجودة في طلاء الجدران، إلى جانب المواد الكيماوية الخطيرة التي تدخل في تصنيع الذخائر المتفجرة، وتعرضت العديد من المدن والقرى والمناطق الصناعية في العراق لأعمال حربية أدت إلى دمار واسع في أكثر من مكان، حيث تعد مدينة الموصل مركز الاهتمام في هذا الشأن، باعتبارها كبرى المدن العراقية التي كانت تحت سيطرة "داعش".
وتشير تقديرات إلى ان كمية الأنقاض الناتجة عن الحرب في مدينة الموصل أكثر من 10 ملايين متر مكعب، وتبلغ كلفة ترحيلها خارج المدينة نحو 250 مليون دولار، والأمر لا يقتصر على ترحيل الأنقاض، بل يتطلب أيضاً هدم المباني والمنشآت المتضررة بشكل كبير وجمع مخلفاتها، مع ما يتبعها من أخطار صحية وبيئية، بخاصة بوجود بعض الذخائر غير المنفجرة.
أما مدينة الرمادي فهي أيضاً من بين المدن التي تعرضت أحياؤها وبنيتها التحتية لدمار واسع، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مدينة الفلوجة، وإن بدرجة أقل، ولتوفير مواد البناء اللازمة لإعادة الإعمار، تسعى العديد من البلديات إلى تعديل التشريعات الوطنية التي تحظر تجريف الحصى والرمال من أحواض الأنهار.
كما أن الأضرار التي تعرضت لها البنى التحتية في العراق تشمل أيضاً تسرب المركبات العضوية الثابتة من المحطات الفرعية ومراكز التحويل الكهربائية، وهي تعد مواد خطيرة تسبب العيوب الخلقية والسرطان وتؤخر النمو العقلي عند الأطفال.
إضافة إلى ذلك فقد تأثرت المنشآت المائية بالحرب القائمة، ومن ذلك مثلا التخريب المتعمد للتجهيزات والقنوات، واستخدام الماء كسلاح في المعركة، كما حصل في سدة الفلوجة وسد الموصل وسد حديثة، حيث تقدر الحكومة العراقية كلفة تأهيل المنشآت المائية المتضررة بنحو 600 مليون دولار.
وبالنسبة إلى المنشآت الصناعية التي طالتها المعارك فكان معمل كبريت المشراق، الذي أدى إحراقه عمدا لدى الغزو الأميركي للعراق سنة 2003 إلى إطلاق أضخم سحابة لثاني أوكسيد الكبريت من مصدر غير بركاني تم رصدها بواسطة الأقمار الاصطناعية عندما بلغ وزن الغاز المتحرر نحو 600 ألف طن، كما قام تنظيم داعش تشرين الأول 2016 بإحراق 30 ألف طن من أكوام الكبريت ضمن معمل المشراق، مسبباً إصابة أكثر من ألف شخص في المناطق المجاورة بأعراض صحية خطيرة أودت بحياة 20 منهم، ولا يزال هناك نحو مليوني طن من نفايات الكبريت في أرض المعمل هي بمثابة قنبلة موقوتة ما لم يتم توفير إجراءات الحماية الكافية.
ومن المنشآت الصناعية التي تعرضت للقصف معمل أدوية الحكماء شمال الموصل، والشركة العامة للفوسفات في قضاء القائم، التي كان يبلغ إنتاجها قبل الحرب 650 ألف طن من الأسمدة، إضافة إلى مواد كيماوية أخرى كحمض الفوسفوريك الذي يصل إنتاجه إلى 400 ألف طن سنوياً.
وختمت الصحيفة اللندنية تقريرها بالقول إنه "في حين ان ثلث العراقيين يعتمدون على الزراعة كمورد لكسب عيشهم، فقد تعرض الإنتاج الزراعي في البلاد لضرر بالغ لأسباب عدة، من بينها انتشار الألغام والذخائر غير المنفجرة في الحقول، ونزوح المزارعين عن أراضيهم، وسرقة وحرق صوامع الغلال ومخازن المحاصيل، وندرة الأسمدة والبذور، ومحدودية مصادر الطاقة والمياه، وغياب الدعم الحكومي".
وبحسب مراقبين فان الأبعاد البيئية للصراع المسلح في العراق، وتأثيره في السكان والنظم الطبيعية، يتطلب المزيد من البحث والدراسة وتوفير الدعم الكافي لإجراء أعمال التأهيل والإصحاح البيئي، كما يفترض بالحكومة أن تخصص الاعتمادات المالية والخبرات المناسبة لتأمين الرعاية الصحية وتطبيق الرقابة البيئية في المناطق المتضررة.

أضف تعليق