إعلان علوي

صناعة الوعي والبصيرة.. رؤية قرآنية




بقلم / الشيخ عدنان الحساني
خلق الله تعالى الانسان واودعه قوة العقل والروح وجعل فيهما قابلية واسعة للتزود بالقيم المتنوعة ان على مستوى العلم والمعرفة او على مستوى الاخلاق والسلوك ولعل هذه القوى هي المعين والركيزة الاساس لتفعيل خاصية الهداية التكوينية {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} كما ان لهذه القوى قدرة على التمييز والتقييم يقول تعالى {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} ويقول عز وجل.{ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} .
اذن فعناصر الدخول في دائرة البصيرة هي عناصر تراتبية منها ما هو تكويني يرتبط بالهداية التكوينية او بالتمييز بين الحسن والقبيح ومنها ما هو توفيقي ترتبط بخاصية الاختيار.. ولكن لايقف مبدأ البصيرة عند هذا الحد فهي تنفصل وتتصل بسلوك الانسان بقدر اتصاله بالحقائق الواقعية وقدرته على تمييز الاعتبارات الاجتماعية والسياسية..
والانسان الذي يتوخى البصيرة معني باتباع ركائز وعناصر الوضوح في الرؤية ومن هذه العناصر:
1- ربط الاسباب بالمسببات
2- الاعتبار بالسنن التاريخية
3- استثمار التجارب وتحويلها الى مبادئ للعمل
ومن خلال هذه الركائز يستطيع الانسان ان يحول مبادئ التبصر الى ثوابت يقينية وبالتالي فهو معني بعد ذلك على التحلي بقيم الاعتقاد الراسخ والثبات على المبدأ والموقف ومن ثم الانخراط في الخط الاول للمواجهة بين الحق والباطل يقول تعالى:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.
اما ماهو الفرق بين الوعي والبصيرة من حيث المفهوم؟ فان البصيرة ترتبط بمقولة النور والرؤية العقلية المستنيرة لذلك فهو يتناظر مع خاصية البصر من حيث المشابهة يقول تعالى في اشارة الى هذا المعنى: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ}.
اما الوعي فهو يرتبط بمقولة الاستيعاب والتلقي والفرز والتمييز وهو يتناظر مع خاصية حاسة السمع ويشير الى ذلك في قوله تعالى: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} .

مفهوم الوعي واجهزة الحس البشري

ومن خلال ما اوردناه من فارق بين الوعي والبصيرة نستطيع ان نستجلي بوضوح جملة من المعاني المرتبطة بالكتاب الكريم والتي اشارت الى ان بعض القضايا والحقائق حري بالمؤمن الواعي ان يتلمسها لانها لا تخضع لغير مدركات الوعي واجهزته الظاهرية والباطنية...ومنها قضايا لاتدرك الا من خلال توسيط قياس التجربة....ومنها قضايا يستوجب ادراكها زيادة في الاستكشاف والتبصر والتمعن......
لذلك فان تبصر المؤمن يرتبط بقدرته على ملاحظة المواقف والقضايا وتحليل النتائج والتقييم والتمييز بينها وفق مدركاته الفطرية والوجدانية والعقلية ولعل اقرب الحواس التي تشتغل في دائرة التبصر هي حاسة البصر لقربها من فعالية الملاحظة والمشاهدة لذلك كان القرآن الكريم دقيقا في اشاراته لمثل هذه العلاقات بين المداخل الحسية والمكنونات النفسية التي تنسجم مع تلك المداخل من حيث المعاني والادراكات فيعبر عن قضايا التبصر والاستنارة من حيث ارتباطها بالفرد والجماعة بمصطلح :..اولي الابصار يقول تعالى في اشارة الى هذا المعنى:
{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ}..
فان الاية الكريمة هنا اوجدت مناسبة بين العين وبين الاحكام الدخيلة بترتيب المواقف ومايترتب عليها من استنتاجات يقينية بالنصر رغم المفارقات المؤثرة من حيث تباين موازين القوى والتي تستدعي اخذ العبرة والاعتبار خصوصا من اولي الابصار والبصائر.
في مقابل هذا الجانب تبرز خاصية اخرى ترتبط بجهاز مهم يشكل ركيزة اساسية في مدخولات حالة الوعي والبصيرة وهي خاصية الاستماع ومن ثم الاستيعاب الذي هو بصورته المفهومية اقرب الى مقولة الوعي فان الوعي هو حالة تنسجم الى حد ما مع المصوتات السمعية التي يمكن ان يستكنه منها معاني غائبة غير منظورة يقوم العقل الباطني بتحليلها وتوليد النتائج منها ومن ثم اتخاذ المواقف المناسبة يقول تعالى في اشارة الى هذه الحقيقة:{الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}.
فالاحسنية هي حكم على قضية مسموعة وهذا الحكم لم يكن اعتباطيا وانما استتبع تحليلا واعيا للكلام قاد المستمع الى نتائج يقينية او شبه يقينية بصحة وسلامة قسم مهم من اقسام هذا الكلام وبالتالي الاذعان اليه واتخاذ المواقف التي تنسجم مع الحقيقة واليقين..
وهناك ثمة مدخل اخر تستند اليه عناصر تكون البصيرة وهذا المدخل يرتبط بقدرة الانسان على تحويل العوامل الكمية للاحداث والوقائع الى صيغ قاعدية..
يقول تعالى.
{أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى} [طه : 128]

{وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف : 203]
[آل عمران
{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت : 43]

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} [الأنعام : 46]
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [غافر : 82]
من هنا نفهم ان البصيرة تقع في نهاية سلم الصعود المعرفي لان المعرفة والعلم مراتب ..المتقدم منها هو بمثابة المفتاح للمتأخر وكلما ازداد الانسان علما كلما ترقى درجات نحو التكشف والتبصر والتمكين المعرفي الواسع ففي حديث الإمام علي عليه السلام - في صفة من يحفظ الله بهم حججه وبيّناته يقول : هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين...
وعن الإمام الكاظم عليه السلام: "تفقّهوا في دين الله، فإنّ الفقه مفتاح البصيرة..
وفي حديث الإمام الصادق عليه السلام: "كان عمّنا العباس بن علي عليه السلام نافذ البصيرة صلب الإيمان..
فان نفوذ البصيرة عند العباس ع لم يكن منحة جاهزة وانما استتبع مقومات خاصة استلهمها من بيت العلم والمعرفة وترقى في درجاتها حتى وصل الى مقام البصيرة وهو المقام الذي يستدعي حالة من الثبات والصلابة تنقطع عنها النظائر..